﻿
±±±كموش في زمن الشجر±±±

هربت بسرعة، ركضت بأقصى قوتي حتى وصلت الشجرة، تسلقتها بسرعة البرق الذي يلمع في السماء، واختبأت بين جذوعها، كنت أعرف أن النمر الوثاب لن يستطيع أن يتسلقها.. ربض تحتها  وأخذ يرمقني بعينيه الناريتين، هدأت دقات قلبي قليلاً فأخرجت لساني إليه، ثم صرخت فيه صرخة عظيمة فلم يحفل بصراخي وبقي يحدق بي بعينيه اللئيمتين، أخذت أرميه بثمار الشجرة، كان لها ثمر عظيم أصفر اللون، أقطعه  وأسدد تماماً بين عينيه، ومع كل قذيفة كان يتراجع، ثم فجأة أدار لي ظهره ومشى مبتعداً بتؤدة.

يجب عليّ أن أجد شيئاً لأقاتل به هذا الوحش، لقد افترس ابنتي الصغيرة قبل شهرين، وكانت فاطيما تبكي.. ما زالت فاطيما تبكي، وإن بكاءها ليحزنني.. يحزنني جداً. زعيق حاد جاء من أعلى الشـجـرة فـأرعبـني وكـاد أن  يـوقـعني إلى الأرض، تشبثت بالغصن ونظرت إلى الأعلى، كان هناك قرد ضخم يتعلق بأغصان الشجرة فزعقت فيه أنا الآخر فولى هارباً يتعلق من غصن إلى غصن، ليت لي مثل رشاقته إذاً لما اضطررت للنزول إلى الأرض المرعبة...

وحوش وتنانين وضباع تتربص بي.. أبي قال لي إن أجدادنا القدامى كانوا أكثر خفة من القرود في التعربش بين الأغصان، قلت لأبي الذي افترسه التنين الأحمر لوتان ذو الرؤوس السبعة قبل سنين: أنا أستطيع أن أتعربش بين  الأغصان أيضاً، فضحك مني وفي الحقيقة فقد كنت أتبجح. صحيح أنني قادر على التعربش، ولكن ليست لي خفة القرود.. القرود لا تحتاج أبداً إلى النزول إلى الأرض، ومع ذلك فهي مخلوقات غبية، فأنا أستطيع أن أجعلها تهرب من أمامي بمجرد أن أزعق فيها.. هكذا.. زعقت بأعلى صوتي فولى القرد هارباً، كائن رعديد، ليت النمر الوثاب كان رعديداً مثله، لو أنه يهرب مثل القرد حين أزعق به، جربت ذلك، كنت عند الشجرة أجمع الثمـار مـن أغصانها، وكانت ثماراً صفراء يانعة أسمتها فاطيما تفاحاً.

كانت فاطيما مغرمة بأن تعطي لكل شيء اسماً، وكان هذا يجعل الأشياء أكثر تنظيماً في رأسي، وكان طعمها حلواً لذيذاً، وكنت أقطف الثمر، فجأة رأيته يتربص بي، يلتصق بطنه بالأرض وهو يقترب رويداً .. رويداً.

وقف شعر جسدي، وكان شعري كثيفاً جداً ومنتصباً، زعقت عليه.. زعقت بأعلى صوتي إلا أنه لم يرتعب كما تفعل القرود، ثم فجأة وثب عليّ، وأعمل مخالبه الضخمة وأنيابه في جسدي، فانتفضت بعزم الرعب الذي ملأني ووثبت هارباً إلـى الشـجـرة، نـظر إلـيّ مـن تـحت الشجرة، وأخذ يزمجر، فارتعدت ملتفاً بالأغصان والأوراق والدماء تسيل من جروحي، أخذت أبكي وأصيح.. فاطيما.. يا فاطيما... كانت فاطيما بعيدة فلم تسمعني.

أنشب مخالبه في جذع الشجرة وأخذ يحاول الصعود إليّ، قطفت حبات التفاح وأخذت أرميه بها فولى مبتعداً، ومن يومها صارت الشجرة ملجئي الذي أحتمي به.

ولحسن الحظ، فإن كهفنا كان قريباً جداً من الشجرة، قلت لفاطيما: لو أن بيتنا في الشجرة، وافقتني الرأي، ولكن ذلك لم يكن ممكناً، من سيقينا البرد والمطر والريح والزمهرير؟ كان الكهف أشد دفئاً ففيه لا يصلنا المطر، ولا يصيبنا  البرد ولحسن الحظ فقد كان كهفنا قريباً جداً من الشجرة، فما أن نحس بالنمر الوثاب أو السبع الأعور حتى نهرع إلى أغصانها الحامية.

قالت فاطيما: إن الشجرة تعطينا الأمان والحماية، فلنسجد للشجرة.

فسجدنا لها واتخذناها رباً حامياً، ولكم كنا نشعر بالامتنان الشديد للشجرة المقدسة التي تمنحنا الأمان.

وفي يوم ما، أصبح بطن فاطيما كبيراً جداً.. انتفخ بطنها  كثيراً فعرفت أن في بطنها حياة، هكذا أخبرني أبي، قال إذا انتفخ بطن المرأة فهذا يعني أن الآلهة ستمنحك حياة أخرى، فاسجد للمرأة حاملة الحياة، فسجدت لفاطيما، وقدمت لها ثمر الشجرة المقدسة قرباناً.

ولم يمض كثير وقت حتى ولدت فاطيما، حياة أخرى اسميتها غصوناً ووهبتها للشجرة المباركة مانحة الأمان.. ذهبنا أنا و فاطيما إلى الشجرة، ووضعنا الطفلة تحت ظلها ثم سجدنا وصلينا: يا أيتها الشجرة المقدسة هذه حياة جديدة وهبتنا إياها الآلهة من  البطن المقدس لفاطيما المباركة وقد أسميناها بعضاً منك "غصون" ووهبناك إياها فامنحيها الأمان من الوحوش المخيفة، وأعطيها ثمارك المبارك لكي تنمو وتكبر تحت ظلك الظليل أيتها الشجرة العظيمة المقدسة.

حفت جذوع  الشجرة فضحكت غصون وفرحنا بها كثيراً فقد قبلت ربتنا الشجرة المقدسة أعطيتنا، وستمنحها الأمان والطعام والدفء. كان فرحنا كبيراً، وفي يوم من الأيام، ذهبت أنا وفاطيما في الأرض لنحضر بعض البقول والخضار من  السهول، والتي كانت فاطيما تحسن إعداده لطعامنا، وتركنا غصون آمنــة تـحـت ظــلّ الربـــة، حين عدنا من السهول وقد جمعنا كمية كبيرة من الطعام، لم نجد من غصون سوى بقايا العظام فقد التهمها بأكملها النمر الوثاب اللئيم، وشعرت أنا بالخوف والحقد، وأخذت فاطيما تبكي، وكان بكاؤها يحزنني كثيراً، وأخذت أبكي أنا أيضاً، وذهبت إلى الشجرة المقدسة، وسجدت تحتها: أيتها الشجرة العظيمة القدرة لماذا لم تحم ابنتك من النمر الوثاب؟ فحفت أوراقها بالصمت، ورجعت منكسراً.

وكانت فاطيما تبكي كثيراً، وكان بكاؤها يحزنني، وشعرت بالحقد على الشجرة، وأردت أن ألعنها لكن فاطيما منعتني. قالت: لا تلعن الشجرة المقدسـة، إنّ الشجرة تمتحن صبرنا وإيماننا، ولكن بدلاً من  ذلك فكر في طريقة تخلصنا من هذا النمر اللعين.

فكرت كثيراً... وحين طاردني في المرة الأخيرة لم أكن قد وجدت الطريقة بعد.

بعد أن ذهب النمر الوثاب أخذتني سنّةٌ من النوم فنمت، ولم أصح إلا وأنا أهوى من أعلى الشجرة  إلى الأرض.. صرخت: فاطيما.. يا فاطيما، ثم ارتطمت بالأرض الصلبة، وكان ارتطامــاً قوياً، وفجأة أحسست بشيء يخترقني، ينفـذ في إليتـي ويفجر الدماء منها صرخت.. صرخت.. أقبلت فاطيما تركض وأنهضتني عن الأرض، نـظـرت إلـى مــؤخــرتــي، كان عود خشب صغير مدبب ينغرس في لحمي.

اتكأت على فاطيما فمضت بي إلى الكهف، وهناك أمسكت بالعود وأخرجته من جسدي، وفجأة لمعت الفكرة في عقلي فأخذت أصيح – وجدتها، وجدتها.. فنظرت إليّ فاطيما كالمذهولة: وجدت ماذا؟ سأقتل النمر الوثاب .. سأقتله. فاعتقدت فاطيما أن الألم جعلني أهذي، فطلبت مني أن أهدأ وأستريح، إلا أنني أزحت يدها عن رأسي ومضيت أعرج حتى وصلت إلى الشجرة، تسلقتها، وأخذت أبحث بعيني حتى وجـــدت ضــالتي.

كان جذعاً ضخماً مدبب الرأس، أعملت في أصل الجذع يديّ وأسناني حتى قطعته فهوى إلى الأرض، قفزت إلى الأرض وفاطيما تراقبني وقد اعتقدت أن الالهة قد سلبت عقلي مني، فأخذت تتمتم بصلواتها وركعت عند الشجرة وأخذت تبكي.

فقلت لها وأنا أضحك: لا تبكي يا فاطيما، سأريك الآن.

أزلت ما حفّ بالغصن من الشوائب، ثم تناولت حجراً من الأرض، وأخذت أحفّ به الرأس المدبب حتى أصبح رفيعاً وحاداً تماماً، هززته أمام عيني فاطيما الدامعتين وقلت لها انظري، ثم قذفت به بأقصى قوتي فانغرس عميقاً في الأرض، سحبته جذلاً ولم تكن فاطيما قد فهمت بعد! قلت لها بهذا العود سأقتل النمر الوثاب.

حدقت بي قليلاً، ثم ضحكت عيناها أولاً ثم وجهها ثم شفتاها ثم سائر جسدها الذي اندفع باتجاهي يعانقني. حملتها بيميني والعود بيساري وعدت فرحاً مبتهجاً إلى الكهف، كانت فاطيما شهية جداً حين تضحك، جسدها يرقص، وتفاح صدرها كذلك، وكم كنت أحب تفاح صدرها، عانقتها وتشممت رائحة جسدها النفاذة، الشهية، كانت فاطيما جميلة جداً وكان عودي ينتصب في كسها الرطب اللذيذ، تماماً كما سينتصب عودي في جوف النمر الوثاب اللعين وما بين الحالين حال.

خرجت أبحث عن النمر الوثاب، كنت أمتليء نشوة وفرحاً ورهبة أيضاً، لم أبحث طويلاً فقد كان مستوطناً لسهلنا، حين رآني تصنع بأنه لم يرني ولبد في الأرض، وأخذ يزحف باتجاهي متخفياً بشجيرات الشوك البري والحشائش، تراجعت ببطء وجعلت إحدى الصخور خلفي، انتصب شعر جسدي من الخوف لكنني كنت مصمماً على ما أريد، وأخذت الحشائش تتماوج بفعل حركته، أحسست به قريباً جداً، فشددت قبضة يدي على العود الذي سمته فاطيما رمحاً.

فجأة انقض يركض بأقصى سرعته باتجاهي، لم أهرب وإنما أشرعت رمحي في وجهه، تفاجأ من ثباتي فتوقف، وأخذ ينظر في عيني بنظرة مباشرة، اقشعرّ بدني وازداد وجيب قلبي، لكنني لم أهرب بل تقدمت نحوه، تفاجأ تماماً، ثم تراجع خطوتين للخلف، تقدمت أكثر، شعرت بالثقة في نفسي وأنا أرى خطواته المتراجعة، فجأة وثب، انقضّ بأقصى قوته عليّ فغرست رمحي في قلبه... خار إلى الأرض وأخذت الدماء تتفجر من جسده، فسحبت الرمح ثم غرسته ثانية بين عينيه بكل قوتي فغاص عميقاً في جبهته الوردية التي تهشمت تماماً. حاول النهوض فلم يستطع فهوى جثة هامدة.

كانت فاطيما تزغرد خلفي، تقدمت منه، كانت عيناه وادعتين.. حزينتين وترنوان للبعيد .

سلخت جلده وصنعت منه رداء لفاطيما، أرادت فاطيما أن تقدم الرداء قرباناً للشجرة، فقلت لها: @@@لا لن نسجد للشجرة بعد اليوم.@@@ 

عدت أنا وفاطيما إلى الكهف، وأنا أحمل جثة النمر اللعين المسلوخ، طرحتها أمام الكهف، كانت مشاعر شتى تعتمل في داخلي، مشاعر فرح غامض هياب وقوة كبرى تسري في جسدي وأنا أشد بيدي على رمحي...

فجأة قلت لفاطيما: سأنتقم لأبي.

لم تفهم للوهلة الأولى ثم صرخت: ماذا ؟

قلت بعزم: سأقتل التنين لوتان ذا الرؤوس السبعة الذي اغتال أبي.

وجمت فاطيما، شعرت بالرعدة التي تسري في أوصالها، ثم صرخت بي: أنت مجنون، لا بد أن الآلهة قد أصابتك بمسّ .

قلت لها: لست مجنوناً.

فصرخت: لا أحد  
يقدر على التنين لوتان إنه ابن إله.

قلت لها: ومع ذلك سأقتله .

فجأة أخذت تولول وتبكي: يا ويلي .. يا ويلي.

وأخذت تحثو التراب فوق رٍأسها، حزنت لمنظرها لكنني كنت مصمماُ، سأنتقم لأبي ولن يقف في وجهي حتى أبناء الآلهة، برمحي سأقتل كل أعدائي، وسأجعل في الأرض السلام لي ولأبنائي الذين سيحملهم البطن المقدس لفاطيما. انتضيت رمحي ومضيت، فركعت فاطيما علـى الأرض، وتشبثت بقدمي وأخذت تتوسل لي بأن لا أذهب. نفضت قدمي من بين يديها ومضيت. اللعنة على كل النساء الخرعات، يقتلن أقوى الرجال بدموعهن.

في الخارج كانت الشجرة المقدسة تحف أوراقها بالصمت، نظرت إليها شزراً، سأحرق هذه الشجرة اللعينة ذات يوم حتى لو بكت فاطيما، ستحرقني دموعها فأنا أحبها، أحبها كثيراً، أحب حنانها وعنايتها بي، ولكنها تودّ لو تحتفظ بي داخل الكهف إلى الأبد! من قال إنني وجدت كي أعيش محتمياً بالكهوف!

بقيت عينا فاطيما الدامعتان تطارداني وأنا أقطع الوديان والسهوب في طريقي إلى بركان الجبل الأحمر حيث يسكن التنين لوتان ذو الرؤوس السبعة التي تنفث النار .

هذا التنين اللعين، لقد هجم قبل سنين على كهوف أهلي. كنت صغيراً حينها، فحرق وقتل كل من صادفه حتى أبي ابتلعه بأفواهه الشيطانية.

حملتني أمي أنا و فاطيما وهربت بنا بعيداً، وحين جاءها إله الموت كانت وصيتها الوحيدة لي أن لا أقترب من الجبل الأحمر حيث يسكن لوتان المجنون، أمي كانت مجرد امرأة خرعة، مثلها مثل ابنتها فاطيما لترحمها الآلهة التي في العالم الأسفل الذي لا يعود منه أحد .

لكن مالي وللنساء، أنا سأقتل هذا اللوتان ثم سأرجع وأحمل فاطيما وسأعود إلى مسكن أبائي حيث سيعم السلام، وسأجعل بطن فاطيما ينتفخ في كل عام، وسأملأً الأرض بالأطفال الصغار، ولكن ذلك لن يتم قبل أن أقتل هذا اللوتان اللعين .

مجنونة فاطيما... من قال لها إن لوتان لن يظهر فجأة في سهلنا ليحرقنا وأبناءنا كما ظهر فجأة على مسكن آبائي؟!

لهذا لا بد أن أقتله يا فاطيما كي نعيش بأمن وسلام .

صحيح إنه ابن إله البراكين بدارو العظيم وأمه ربة الزلازل زيازو العلية.

نعم هذا صحيح، ولكنه هو نفسه ليس إلهاً حتى أخافه، حتى إن أمــه قد غضبت عليه حين أصر على الزواج من الحية الرقطاء.  أما أبوه العظيم الرب بدارو فقد غضب عليه أيضاً وحرمه من ميراثه وحقه في الألوهية حين هاجم كهوف أهلي الذين كانوا يقدمون القرابين العظيمة لبدارو.

نعم لقد غضب عليه الرب الأعظم فلم أخافه أنا؟ سأقتله وليكن ما يكون، لقد قال الرب العين بالعين والسن بالسن والباديء أظلم، وهو المعتدي، وأرض آبائي إما أن تكون لي أو له .

وصلت إلى الجبل الأحمر في المساء، وقفت عند سفح الجبل ونظرت إلى الأعلى الشاهق ثم سجدت على ركبتي وصليت للرب بدارو العظيم، وللربة زيازو العلية اللذين يسكنان في جوف الجبل .

صليت طويلاً، وأخبرتهما بنيتي في قتل ولدهما العاق، الذي قتل أهلي وشردهم من غير رضى الرب، والذي تزوج الحية الرقطاء من غير رضى الربة زيازو العلية .

أنهيت صلاتي ثم نهضت وحملت رمحي ومضيت أصعد الجبل .

لوتان لا يترك الجبل منذ أن طردته أمه وأبوه من جوفه.

سأجده بالتأكيد رابضاً فوق قمته وهو ينوح دموعه الدخانية... صعدت وصعدت وصعدت حتى هدني التعب من غير أن أصل إلى القمـة، تراخيت في ظــل صخـرة واسترحــت.
وضعت رأسي على حافة الصخرة، ولست أدري كيف جاءني النوم فنمت محتضناً رمحي، ولم أصح إلا على صوت صراخ هائل.

فزعت مرتعباً وأنا أبحث عن رمحي، التقطته من الأرض ثم وثبت منتصباً على قدمي.. نظرت إلى الأعلى فإذا بالتنين لوتان ينشر أجنحته الرمادية ويمد لي برؤوسه النارية السبعة، كل رأس يتدلى منه لسان بطول عشرين باعاً وعرض خمسة أذرع، كان منظره مرعباً جداً فحاولت الفرار وقد غزا الرعب قلبي لكنه لم يعطني الفرصة.

هجم علي وأرسل سبعة نيران باتجاهي فاحتميت بالصخرة وأنا أرتجف فرقاً فحرقت نيرانه الصخرة وسلمت أنا، أدركت أن لا مناص ولا مفر... إما أن يقتلني أو أقتله.

تحسست رمحي بيميني فشعرت ببعض القوة، زأر بصوته وأرسل نيرانه مرة أخرى .فارتميت إلى الأرض وأخذت أزحف باتجاهه، تذكرت كيف غرست الرمح في قلب النمر الوثاب فامتلأت عزماً، لن ترعبني نيرانك أيها اللعين، زحفت وزحفت حتى أصبحت بين قدميه ثم وقفت منتصباً.. كانت عيونه تنظر للبعيد وفي كل الاتجاهات بحثاً عني، وكنت أنا أقرب إليه من حبل الوريد.

هززت رمحي ثم دفعته بأقصى قوتي إلى رأسه السابع فقطعته إلى الأرض، خار وغار وأخذ الدخان يندلق سيلاً من رأسه المقطوعة، هززت رمحي مرة ثانية وهويت به إلى رأسه السادسة فتدحرجت تحت قدمي فأخذ يقفز كالمجنون ثم طار بعيداً وبحث بعيونه عني وهو يخور ناراً ودخاناً.

رآني هذه المرة فأرسل باتجاهي خمسة ألسن من لهب، فتدحرجت بعيداً عنها، دخلت الصخور في أضلاعي فأحسست بألم حاد لا يقاوم، لكنني تماسكت ثم اختفيت  في ظل صخرة أخرى، شعرت بقوة هائلة منحني إياها الرعب والألم ورأسا لوتان المقطوعتان.. تقدم نحوي، أحسست بقدميه تهزان الجبل.

آه، لا بد أن أقطع هاتين القدمين يا فاطيما حتى أثبته، خرجت من ظل الصخرة وركضت هارباً، فأرسل نحوي سوطاً من نار فأحرقني، اشتعل شعر جسدي بالنار فتدحرجت على الأرض لأطفيء النيران، وهو يسير خلفي ضخماً هائلاً والدخان يسيل من عنقيه المقطوعتين، فجأة مد رأسه الثالثة وتناولني من بين  الصخور، لفني بعنقه ثم اعتصرني.. اعتصرني حتى كادت روحي أن تزهق ثم لفني وأدخلني بين فكيه، غرس أنيابه في عظامي ثم مد لسانه الناري يريد ابتلاعي، هززت رمحي وأنا أشعر بدوار هائل يلفني ثم هويت بالرمح بكل حرارة الروح وحقدها على لسانه فقطعته.

زأر متألماً فأفلتني فهويت بضربة أخرى من رمحي على قدمه اليسرى فقطعتها فتداعى إلى الأرض وهــــــو يجوح .

رفعت الرمح ثم ضربت به قدمه اليمنى فأطرتها @@@فهمد إلى الأرض مثبتاً مرسلاً دموعه الدخانية.@@@

ابتعدت قليلا وأخذت أنظر إليه... حين رأيت التنين العظيم ابن الآلهة مثبتا على الأرض مقطوع القدمين واللسان والرؤوس، شعرت بقوة هائلة في أعماقي.. ###شعرت بأني إله ذاتي###.
فجأة رأيت الحمم تندفع من فوهة البركان، ألسنة حمراء تمتد وتمتد وتنحدر شلالاً منهمراً غطى وجه الجبل، تلاه زلزال هائل فإذا الجبل ينفضّ كالعهن المنفوش، ومن أعماقه تخرج الربة زيازو وهي تزمجر وتزأر  وتبكي وتولول على ابنها القتيل، ولم أعي بنفسي إلا وهي تمسكني بيديها اللتان تبلغان عنان السماء فصرت بين براثنها كحشرة صغيرة، أحسست بأني أتلاشى وأموت، لكن فجأة علا صوت عظيم ارتجت له أركان السماء... كان  الإله بدارو العظيم يرغي ويزبد، رفع يده الضخمة ثم هوى بها بصفعة هائلة على وجه زوجته  الثكلى الربة زيايزو فأفلتتني، أمسكني الرب بدارو بكفه الضخمة ثم رماني نحو السماء، فإذا بي أتناثر ذرات وذرات في ###عالم من عماء### تحتي ماء وفوقي هباء وأنا ذرات تتناثر بين الماء والهباء. 

